الشروق المغربية
إن كان المفكر الكبير “إبن خلدون” قد وصف الحرب بأنها “خدعة”، فمن غير شك لم يقصد هذا النوع من الخداع الإعلامي الذي تسبب لنا في تلوث إخباري كاد يعصف بعقولنا…، و رغم أن سجال الحرب غير واضحة المعالم، ورغم تنصل قيادتنا من اتفاق وقف إطلاق النار، إلا أن مدونا صحراويا علق على هذه الحرب التي تتأرجح بين الوهم و الخديعة بتدوينة تقول: “هي المرة الأولى في حياتي التي أسمع فيها عن حرب حامية الوطيس و لا أراها على قناة الجزيرة في تغطية مباشرة”، تدوينة المواطن الصحراوي تذكرنا بالنصر الذي يحققه أهل السنة على الشيعة في المناظرات مع بداية الحوار، و الذي يفقد المشاهد حلاوة متابعة المعارك الحوارية على القنوات التي تتغذى من الخلافات و الطائفية…
و بعد أن تعففت القنوات العربية و الدولية، بمن فيها القنوات التي تسبح بحمد الاشتراكية و الشيوعية و الليبرالية و العلمانية و…، عن تغطية ما يقع بين القيادة الصحراوية و المغرب من حرب أصدرت القيادة من البلاغات حولها ما لم يصدره “الصحّاف” في حرب العراق الحقيقية و الواقعية ضد التحالف الدولي، و بعد أن عجزت صفحات الذباب الفيسبوكي للبيت الأصفر التسويق للحرب على أنها أمر واقع، و سقطت أمام الحشد الذي قام به المغرب على كل المنصات و كشف بهتان الصور و زيف المشاهد…، عثر قادتنا أخيرا على منفذ إعلامي إلى الرأي العام الجهوي و الدولي، و أرسلت الجزائر طاقما صحفيا لتغطية الحرب الوهمية الدائرة بالمحبس، و ظهر في الحصة الإخبارية موفد التلفزيون الجزائري إلى ساحة المعركة و هو يراسل الرأي العام الجزائري و يذيع له ما يجري بالقرب من حدود دولته الهادئة المطمئنة، فحدثت المراسلة الحربية الأغرب من ميدان الحرب، و التي أرشحها لأن تكون جزءا من طرائف نهاية هذه السنة المفزعة.
إذ ظهر الصحفي غارقا وسط الظلام بعد أن جنّ عليه الليل، و هو يحمل ميكروفون لقناة رسمية جزائرية ألفنا سماعها، و كنا نعتبر معالجتها للأخبار الأكثر مصداقية، وخلال التغطية الميدانية من مكان المعركة قال أنه يتواجد مع القوات الصحراوية بأرض العمليات، و أن المدفعية الصحراوية تقصف و تدك القاعدة 22 التابعة للقوات البرية المغربية منذ 11h00 صباحا، و أن هذا الدك و الهجوم هو ردا على القصف المدفعي و الصاروخي العنيف للقوات المغربية، و الذي دمر مسكنا لأسرة صحراوية ، و أن الرد الحازم لقواتنا جعل المغرب يتكبد خسائر فادحة، و تم دحره إلى الخلف…، و جرى تدمير جزء مهم من تلك القاعدة التي تتوسط الجدار، و أن جيش الملكي أمضى الليل يحصي ضحاياه و يجلي جرحاه.
لكن التغطية تضمنت أخطاء مهنية من الصحفي و أخرى مشتركة بين الصحفي و عناصر الجيش الصحراوي، و كشفت أن الأمر يتعلق بمسرحية إعلامية تمنينا كصحراويين لو أنها لم تحدث، لأن في تلك المادة الإخبارية الكثير من الاستحمار لعقل و وعي المشاهد و إهانة لكبرياء المواطن الصحراوي، الذي يعلم بأن الجيش الصحراوي بعد اكثر من شهر من القصف لم يحدث ثغرة واحدة في جدار جيش الاحتلال، و لم يستطيع أن يتجاوزه، لأن الجدار مدعوم تقنيا و لوجيستيكيا و و تكنولوجيا بآخر صيحات العتاد الحربي، فهذا المواطن الصحراوي البسيط لم تعد تنطلي عليه حيل البروباغندا بعدما اأصبح يمتلك – بفضل متابعته للأحداث الدولية و تعدد المصادر- ثقافة التأكد من صدق الخبر، و على دراية بالتغطية الإعلامية الصادقة للحروب التي كان آخرها دروس المعارك الآذارية – الأرمينية، و قبلها الحرب على التنظيم الإرهابي “داعش” و كيف كانت التغطية تأخذنا إلى تفاصيل الحرب و تكشف لنا عن الحقائق دون تحفظ.
بعد كل هذا الوعي المتحصل عليه إعلاميا يأتي الصحفي الجزائري المأسوف على خبرته و مجهوده ليمنحنا تغطية إعلامية معيبة، بحيث كان يتجول بين العتاد العسكري دون خوذة حرب و لا واقي من الأعيرة النارية التي ألفنا أن نراها لدى صحفيي المناطق المتنازع عليها، و للمرة الأولى التي نرى فيها جيشا يطلق ذخيرته ليلا و في اتجاه معين و جندي يحمل منظاره و يبحث في الاتجاه المعاكس عن مسار القذيفة ليترصد ما ستحدثه من دمار في مشهد مضحك من شدة الغباء، و كانه يقول للصحفي التقط لي صورة من فضلك، و الأدهى من ذلك أن المصور المرافق للصحفي خلال تغطيته للعملية يقف أمام المقاتل صاحب المنظار و مصباح الكاميرا مشتعل في وجهه، و هذا خطأ كبير في الحروب الليلية، لأن الأضواء هي بمثابة أهداف محتملة، مما يعني بأن المصور و مرافقه كان متأكدين بأنهما في مكان آمن بعيد عن مدفعية الجيش المغربي، و يعني كذلك بأن المقاتل الصحراوي لم يكن يستخدم المنظار الحراري الليلي، و المبكي أن الكاميرا تشعل أضوائها للتصوير ليلا، و العدو – حسب تصريح الصحفي – على بعد أميال قليلة من المكان و يستطيع أن يرصد سحلية صحراوية تبحث عن الماء و له الدقة لإصابتها، فماذا لو تعلق الأمر بضوء كاميرا في خلاء مكشوف… !!!؟
فكم هو مهين أن يعاملك الحليف باستخفاف، و يحاول حقنك بصور لا يمكن أن يقبل بها حتى طفل يعرف قواعد الاشتباك من لعبة الكترونية على هاتف نقال، و الأكثر اهانة أن التغطية تسببت في انقسام للرأي العام الجزائري، و حولت القضية إلى شوكة في قدم الوحدة الجزائرية، إذ كتب أحد المؤثرين الجزائريين أن التغطية التي تورط فيها الإعلام الرسمي الجزائري هي “عزف نشاز”، و أن الجزائر أظهرت للعالم بأنها دولة حرب و أن العقيدة العسكرية لديها تسبق العقيدة الدبلوماسية، و أنها تنفخ في رماد الصراع لتشعل فتنة قد تشب في أهداب جلبابها و تحرقها قبي غيرها.
فيما تنافس نشطاء جزائريون في وضع محتويات مصورة على منصة اليوتوب يهاجمون فيه النظام الجزائري، و يفتحون ما أسموه جراح التاريخ، و أعادوا نشر مقتطفات من خطاب ناذر للرئيس المصري الراحل “أنور السادات”، خلال مؤتمر أمام وسائل الإعلام…، و يتهم فيه الجيش بتوريط البلاد في دعم الإتحاد السوفياتي ضد مسلمي أفغانستان، و المساهمة في تمزيق وحدة السودان و تيمور و عدد من الدول الإسلامية دون أي مصلحة…، و أضاف النشطاء أن الجزائر التي تتبنى دعم الحركات الثورية عبر العالم لا تستطيع الوقوف في وجه اليونان و دعم استقلال قبرص التركية، و لا قدرة لها على مناصرة الكطلانيين ضد الأسبان و تتجاهل معاداة الروس في القرم، و لا تقدر حتى على نعت إثيوبيا بدولة الاحتلال في مواجهتها جبهة تحرير شعب تيغراي…
ما جاء في هذا المقال ليس حكما، بل هو نقذ لحركة مكشوفة، و نحن لا نبخس الجزائر بما يقدمه لنا من دعم و مساندة و معونة… بل العكس تماما، نريد دعمه و نسعى للإستقواء به، لكن نريده أن يكون ركن قوة لا ركن ضعف، حتى لا نكون الغريق الذي أهلك غريقا مثله، و حتى لا نضع أنفسنا جميعا أمام الإحراج الدولي، لأنه بالأمس القريب ارتكبت قيادتنا خطأ إستراتيجيا في ثغرة الكركرات حوّل قضيتنا إلى نكتة على الصفحات و القنوات، و بعدها تسببنا في فوضى فيسبوكية خدمت المغرب في المنطقة دون عناء أو ضغط دولي، و اليوم تغطية غبية حولت حرب إلى درس في الغباء و الفشل الإعلامي، و استقبال حافل للمقاتلين مع الأشباح في صحراء عارية.



