Wednesday 22 April 2026

خطاب عيد العرش..الملك يعتمد منظومة القيم موضوعا لخطاب عيد العرش ويعتبر الجديةَ أداةً وأداءً المناصَ الأساسيَ لبلوغ التتويج،والتطورَ (العقلاني) وسيلة للتتويج المستحق (العاطفي)

بقلم أنيس الداودي
مستشار بجماعة عين حرودة

ركز الخطاب الملكي الأخير بمناسبة عيد العرش على مفهوم الجدية في تحقيق الطفرة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بين أبناء الوطن مستعينا بهذا المرادف الذي حوى بين معانيه وثنيات مقاصده العديد من الدلالات المقصودة واستدل في خطابه أيضا بالنتائج المرتقبة لكل عمل استأنس بالجدية وتوسل بها لبلوغ أهدافه ومراميه.
بدا واضحا ان خطب صاحب الجلالة محمد السادس المكتوبة والتي تخالف من حيث الشكل في الإلقاء والايجاز والدقة وحتى في طريقة تناول الموضوعات الخطبَ السابقة للراحل الحسن الثاني بل ان الاختلاف يكاد يصل الثيم الخاصة التي يتمحور حولها موضوع الخطبة وجوهر مضمونها.
بخلاف ما أشرت اليه بخصوص قصر الخطب واعتمادها على الايجاز البليغ ودقة الدلالات والواقعية في الخطاب الأدبي فإنه اعتمد بشكل مقصود اعتماد جمل تمتح من القاموس الأدبي السهل الممتنع حتى وإن كان هذا التميز في سباكة الجمل وتطريز اللغة وبلاغة البيان وفصاحة الكلمة وفخامة السرد الأدبي بالنسبة للحسن الثاني من أسباب تعلق المواطن بالخطب الملكية وأحد أسباب الفخر بمستوى وعبقرية الملك الراحل.
مع ذلك فان محمد السادس ابتعد كثيرا عن طريقة صياغة وإلقاء والده واتخذ شكلا جديدا من خلال اعتبار الخطب الملكية موجها حقيقيا لسياسات الملك وسياسات الدولة بل تحولت في احايين كثيرة الى محطة للاستقراء والمكاشفة الى حد اللوم والعتاب وتوصيف المشاكل والخوض في تفاصيل معوقات السير السليم والعادي للادارات والسياسيين والمنتخبين والاحزاب بل والمواطنين كذلك حينما عاتب النخب المنتخبة على تقصيرها في القيام بمسؤوليتها والمواطنين بخصوص انتخابهم للنخب الفاسدة بدلا من التصويت على الطاقات الحية.
قاموس الملك يمتح من منظومة القيم حين يتوجه ببوصلة التحليل والتوجيه نحو ما هو محلي إذ تكاد خطب الملك في كل محطة تحمل تشريحا واقعيا يصف فيه بكثير من العتاب واللوم عدم التفاني والجدية في خدمة الوطن كل حسب موقعه.
ففي الوقت الذي يقترب فيه المغرب أو يتفوق على العديد من الدول الكبرى في بعض المجالات ويستفرد بالتفوق فيها اقليميا وافريقيا وعربيا فإنه وعلى النقيض من ذلك عجز عن تحديث إدارته والرفع من مهنيتها وتطورها لذلك جاءت العديد من الخطب الملكية تضع اصبعها على مكمن الخلل وتعين أسباب التعثر وفي كل مرة كان الملك يدعو المغاربة حكومة وشعبا الى الانخراط والمساهمة في التحديث والتقدم وتحقيق التنمية من خلال اعتماد اسلوب توجيهي مستمد من منظومة القيم ادراكا منه انه مهما بلغ حجم الإمكانيات المرصودة وتوفير الظروف البشرية والقانويية واللوجيستية ومهما تم وضع بنى تحتية واهداف استراتيجية لابد من استحضار منظومة القيم..الجدية..المثابرة..التضامن..الوفاء والتكريمات..الاعتزاز بالوطن..الحماية الاجتماعية..التغطية الصحية..حث الإدارة على الجواب على الشكايات..التأكيد على أن المواطن هو محور التنمية..التذمر من العابثين بمصالح المواطن والوطن..

مع محمد السادس اصبحت منظومة القيم هي الموجه الأساسي للعمل السياسي والتدبير المؤسساتي.
والخطاب الأخير بمناسبة عيد العرش تناول ثيمة الجدية وسيلة واداة .. عملا وأداء واعتبرها المحرك الأساسي لنشاط المواطن وعمله في بلوغ التطور والجودة لاستحقاق التتويج مستدلا بتتويج المنتخب الوطني خلال كأس العالم الأخيرة وكذلك اختراع اول سيارة كهربائية مغربية ولا نغفل ان خروج الملك وبعض افراد أسرته للاحتفال مع الشعب خلال مونديال قطر هو انسجام تام وتتويج لحظي يسبق التتويج الرسمي بعد نهاية المونديال.
ان التتويج في نظر جلالة الملك هو بمثابة تحصيل للنجاح في بلوغ المرامي وتحصيل الاهداف كنهاية طبيعية ومحددة تتأسس عن رؤية استراتيجية وهذا يمر من خلال القيام بالأعمال والمهمات بجدارة واستحقاق وكفاءة مهنية وعلمية ومعرفية.وبذلك تصبح منظومة القيم هي الأرض الصلبة للتخطيط الجيد والتكيف مع المتغيرات التي تنتج قائدا يجيب على الأسئلة ويجد الحلول تخطيطا وتنفيذا.
وفي الختام احب ان أشير أيضا الى حالة التماهي التي خلقها خطاب العرش الأخير بين مكونين متناقضين يقف كل واحد منهما بزاوية تقابل الأخرى لكنهما شكلا جوهر الخطاب الملكي وترابطا فيما بينهما بشكل عضوي مترابط ومتراص الا وهما مبدأي العقلانية والعاطفة.
فمن ناحية كان الملك باتا واضحا جازما في تعيينه مبدأ الجدية كاساس من أسس تحقيق التنمية ودفع عجلة التطور واللحاق بباقي الأمم المتقدمة وصعود منصات التتويج وفرض المهارات الوطنية والانتاجات الوطنية ومزاحمة المنتجات العالمية بماركة تحمل طابع صنع بالمغرب،كل هذا التحدي والعمل والمثابرة أتى متفقا بالخطاب الملكي عبر كلمات تعتز بالطاقات والمواهب المغربية وكلمات جياشة معبرة عن أجواء الفرحة وادخال البهجة في قلوب المغاربة وقلب الملك شخصيا واستطاع الخطاب ان يوصل تفاعل الملك مع شعبه إزاء نفس الأحداث وعلى نفس المستوى من التفاعل لدرجة انه في لحظة الانصات للخطاب الملكي كانت صور الملك وهو يجوب شوارع الرباط حاملا العلم الوطني بعد تأهل المنتخب المغربي لنصف نهاية المونديال تجوب عقول وخواطر المستمعين.
لكن السؤال المطروح اليوم هو كيف تساهم الخطب الملكية في إثارة انتباه المسؤولين وتوجيههم وحثهم على القيام بواجبهم بجدارة واستحقاق وكيف يتخلف هؤلاء عن تحمل مسؤولياتهم في توفير الحلول وحماية المواطن وتلميع صورة الملك والوطن وهذا سيكون موضوع مقالنا مستقبلا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *