Sunday 19 April 2026

ذكرى ثورة ملك وشعب.. ملحمة 20 عشت تلك هي الحدود التاريخية لحركة التحرير الوطني بالمغرب من أجل الحرية والتحرر.

_بقلم الدكتور شنفار عبدالله_
حينما نستحضر التاريخ المليء بالأمجاد؛ وليس التاريخ المليء بالأحقاد؛ لا نستدعيه لدراسته كأحداث وقعت في الماضي فحسب، هكذا ونمر عليه ممر الكرام؛ بل نستحضره من أجل إيجاد قياس وقراءة لمشاكل وقضايا مطروحة في الحاضر؛ أو لأن هناك استشعار لخطر ما في المستقبل؛ أو لنأخذ منه العبر لحل لغز قائم في الحاضر.
لتفكيك هذا الموضوع؛ سوف ننطلق من طرح السؤال المنهجي التالي:
أين تكمن أهمية البحث والدراسة، وما هي الفائدة أو القيمة المضافة للموضوع المتعلق بذكرى ثورة ملك وشعب؛ 20 عشت تلك هي الحدود التاريخية لحركة التحرير الوطني بالمغرب؟
على عهد الحماية الفرنسية، يئس الإنسان المغربي من طول انتظار ما كان يسمى بإيديولوجية العقد الإصلاحي الذي تدرعت به السلطات المحتلة، ومن صور القهر والإذلال والإهانة والتعسف ومصادرة حقه في حرية الرأي والتعبير وحرمانه من التدبير الديمقراطي لشؤونه بنفسه؛ وكذا عنف اليومي الممارس عليه؛ ومن نهبٍ لخيراته الطبيعية؛ والتكلم دونه في المنتديات الدولية؛ فأصيب بالإحباط والملل وتجرع اللوعة وأصبح يمضغ اليأس؛ فاختار سبيل التضحية والكفاح المسلح وضحى فعلًا آباؤنا وأجدادنا؛ من أجل الحصول على الاستقلال والحرية؛ ضحوا من أجل التنمية؛ ملكًا وشعبًا؛
وقبلوا التضحية كي يستفيد أو تستفيد الأجيال القادمة من تنمية البلاد وخيراتها وتدبير شؤونه بنفسه في استقلالية و في معزل عن أي تدخل خارجي أجنبي.
وباستحضار وقائع تلك المرحلة؛ فإن الأمر لم يكن بالسهل وبالهين كما ننظر إليه نحن اليوم من موقعنا في الوقت الحالي المعاصر.
وهنا نطرح السؤال: ما هو الدور الذي لعبته النخبة الوطنية والجهوية والمحلية؛ من سياسيين وأعيان ووجهاء ومثقفين وطبقات العمال والفلاحين والتجار والمستثمرين، والموظفين والمهنيين والمسؤولين والفاعلين… وغيرهم في تلك الفترة من تاريخ المغرب كاستراتيجية لتجاوز مرحلة الاستعمار؟
فقد طرحت تحديات كما هو الشأن لباقي الشعوب والأمم التي عانت ويلات الاستعمار؛ ونضرب مثلًا ب: “ماو تسي تنغ” في الصين الشعبية؛ الذي حدد للاستراتيجية ستة مبادئ ومن ضمنها: التلاحم التام بين الجيش والشعب. وكذلك ستالين” الذي حدد ثلاث مبادئ رئيسية لاستراتيجية الحرب تتجلى في: تلاحم معنوي بين الجيش والشعب في إطار حرب شاملة وإعطاء الأهمية الحاسمة للإمدادات مع ضرورة القيام بإعدادات نفسية قبل البدء بالعمل المسلح.
وفي المغرب كانت الاستراتيجية تقوم على تلاحم تام وتطابق بين الملك والشعب في التصدي للمؤامرة والدسائس؛ حيث أن العظماء لا يندحرون ولا يسقطون أبدًا؛ إلا بالغدر والخيانة والمؤامرة التي يصنعها ويدبرها ويخطط لها الجبناء في الخفاء.
هل استطاعت تلك النخبة أن تستجيب وتحقق انتظارات المواطنات والمواطنين؟
كيف السبيل للوصول إلى مفاتيح أبواب الغيث وتجاوز المحنة؟
إن وضع السياسات العامة والعمومية وكذا القطاعية في بلد ما، وحتى تكون في خدمة المواطن؛ لابد لها؛ من وجهة نظري؛ أن تخضع لثلاثة مبادئ رئيسية، يمكن اختزالها في العناصر الأولية التالية:
* أولًا: مبدأ الوطني؛ ما معنى وطني؟
وطني يعني التقوقع على الوطن، كيفما كان هذا الوطن. منسجمًا أو غير منسجم، وبتركيبته التنضيدية الاجتماعية المتنافرة أو المتعايشة والمتضامنة فيما بينها.
* ثانيًا: مبدأ الديمقراطي؛
والديمقراطية كإحدى المطالب العامة؛ تعني بشكل بسيط؛ بنية اختلاف لمصالح متناقضة للطبقة العاملة من: الفلاحين، والتجار، والمهنيين والموظفين والمستثمرين… وغيرهم من مختلف الفاعلين؛ وتحيل إلى فئات اجتماعية عديدة ومتنوعة تستطيع تنظيم نفسها بشكل ديمقراطي ومستقل عن سلطة الدولة. وهذه الأخيرة يبقى لها دور المنسق والضامن لعمل القوى في جميع المفاوضات وخلق التسويات. وهنا تكمن شرعية ومشروعية وجود الدولة.
* ثالثا مبدأ الشعوبي؛
التنمية لا تكون لها أية شرعية أو مشروعية لدى الشعوب والأمم؛ إلا إذا كانت هذه الشعوب والأمم؛ تستفيد منها بشكل سريع ومباشر وشامل أيضًا. وهذه هي الحدود التاريخية لحركة التحرير الوطني.
نعرف أن الإنسان المغربي قبل التضحيات من أجل الدخول في مرحلة التحديث وتحقيق تنمية وطنية يستفيد منها، كان ينتظر أن يستفيد من تضحياته أو يستفيد منها أبناؤه فيما بعد وأن يتولى تدبير شؤونه بنفسه.
هذه التطلعات قد تكون فقدت شرعيتها ومشروعيتها، وذلك حتى وإن تحققت التنمية في العديد من الجوانب، إلا أن المواطن لم يستفد منها بالشكل الذي كان يطمح إليه، بحكم سياسة العشوائية والارتجال في وضع السياسات العامة والعمومية والقطاعية؛ وكذا من خلال سلطة أتخاذ القرار، مما خلق مفارقات كبرى في المجتمع المغربي.
هنا نستحضر مقتطفاً من خطاب جلالة الملك محمد السادس الذي يقول فيه: “ذلك أننا لا نريد مغربًا بسرعتين: أغنياء يستفيدون من ثمار النمو ويزدادون غنىً، وفقراء خارج مسار التنمية ويزدادون فقرًا وحرمانا.) انتهى كلام جلالة الملك.
لذلك أصبحنا نحتاج لنموذج من التنمية الوطنية والجهوية والإقليمية والمحلية؛ تشرف عليه نخبة مسؤولة تستجيب للمشاكل والمطالب والقضايا الاجتماعية الشائكة للخروج من عنق الزجاجة، وتمدنا بمفاتيح أبواب ولوج وركوب والسفر إلى فضاءات وعوالم بين الأمم والشعوب؛ عبر مسلسل ومسارات التنمية المستدامة والرقي والازدهار والتطور في ظل ظروف وملابسات داخلية ومناخ اقتصادي عالمي متغير باستمرار؛ قد تفرز جائحة فيروس كورونا المستجد هذا؛ مساحات وفضاءات أخرى، لست أدري هل سنتمكن من ولوجها، أم قدرنا أن نبقى دائمًا في منطقة اشتباك خارج الصيرورة التاريخية!؟
لكن ما معنى النصر بالمفهوم الحضاري؟
يذهب الاستعمار ويسقط الطغاة. بعض الأمم ذخيرتها المعرفية والأخلاقية تكفي لمواجهة ما يعقب الانتصار. ولكن بعضها تبدأ مشكلتها الحقيقية عند تلك النقطة!
تجارب التحرر من سيطرة الاستعمار كثيرة؛ ولكن تجارب إقامة العدل والسلام والتنمية والتقدم؛ هي الأقل والمحك والمعيار..!
تلك إحدى التحديات، فمن يصل ولم يؤمن بالحرية والمشاركة؛ لن يهئ المجتمع ولو بعد حين. وتبقى طبيعة المشاركة مرهونة بمعادلة ذلك البلد.
المتغلب والمنتصر حضاريًا تنشأ معه علاقة فصام غريبة ومركب عجيب من التناقضات يقوم على: “أنا لا بحبو ولا أقدر على بعده”..
فحينما يكون منسوب المهانة الحضارية عالي جدًا؛ تتولد عنه رغبة التشفي في الخصوم بنسبة أعلى بكثير من معالجة قضايا المستقبل وبناء غد مأمول.
فالهزيمة الحضارية تختلف بكثير عن الهزيمة العسكرية؛
الهزيمة الحضارية تورث القابلية للاستعمار. وهي في جوهرها معادلة مركبة من الحب والتعلق والحاجة والكراهية!
فمن جهة تكال للمستعمر كل أنواع السباب والشتائم؛ ومن جهة أخرى تكون الحاجة له والتعلق به في كل أشكال التكنولوجيا والمنتجات والعمران!
فاذا حضر لُعِن وإن غاب طُلب..!
علاقة الكراهية والحب والتعلق والحاجة؛ علاقة غريبة تولد فصماً في الشخصية وفي الخطاب وفي السلوك ومختلف التصرفات؛
فقد يحارب المستعمر في أرض ما؛ وإن ضاقت به الأرض؛ فرَّ لديارهم يطلب اللجوء..!!
هذا العجز المركب والمتعدد الأبعاد؛ يولد غضبًا عارمًا؛ ولكنه لا يتصرف في مسالك التكنولوجيا والمنتوجات والعمران؛ وإعمال جهد وفعل لإيجاد الحلول للمشاكل والقضايا الحضارية المطروحة؛ ولكن يوجه لمزيد من التذمر والاستياء وتدمير الذات.. (auto-destruction).
التنمية لا تكون لها شرعية ومشروعية لدى الشعوب؛ إلا إذا كانت هذه الشعوب فرادى وجماعات؛ تستفيد منها بشكل سريع وكلي ومباشر أيضًا، من خلال مصادر ثروة معلومة وموزعة بشكل عادل بين مكونات المجتمع؛ وتلك كانت هي التطلعات التاريخية لحركة التحرير الوطني.
نحن لسنا وطنيين أكثر من الوطن؛ ولسنا ملكيين أكثر من الملك؛ ولكن حبنا لهذا الوطن وحبنا للملك؛ يدفعنا للقول بأن كل شعب بأفراحه وآماله وأحزانه وآلامه، دائمًا يطمح إلى أن يكون لديه أحسن ويعرف أكثر، ويكون له وجود أقوى وقيمة أفضل في درج السلم بين الأمم وشعوب العالم.
—————
الدكتور شنفار عبدالله باحث ومفكر مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *