د. عبد اللطيف سيفيا
بقية الحديث … لا يخفى على أحد قدر المجهودات الجبارة التي تقوم بها الدولة لمواجهة انتشار فيروس كورونا المستجد وذلك لما توليه للمواطنين المصابين بهذا الداء من رعاية صحية كبيرة ورائدة على المستوى العالمي تضاهي تلك التي تتبعها الدول المتقدمة بأوروبا وأمريكا ، الأمر الذي تمخضت عنه نتائج مرضية من حيث حالات الشفاء العالية التي رافقتها حالات الوفيات الضئيلة مقارنة بما يحدث بهذه الدول ، ناهيك عما جندته المملكة المغربية من طاقات بشرية تتمثل في طواقم طبية وشبه طبية تمت تسميتها بالجيش الأبيض الذي كان في صدارة مواجهة الوباء والذي فقدنا منهم العديد من شهداء الوطنية والمسؤولية والإنسانية الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل إنقاذ المواطنين المصابين ومساعدتهم على الامتثال للشفاء والعودة إلى أسرهم وأبنائهم وأهلهم وذويهم وممارسة حياتهم اليومية بشكل طبيعي ، في حين أن أصحاب الوزرات البيضاء ، نظرا لوضعيتهم الحرجة والحساسة ، يحرمون من أبسط حقوق العيش ومزاولة أنشطتهم الحياتية لأقصى درجة ، بل يضحون بأغلى ما لديهم من مكتسبات اجتماعية وغيرها ليعيشوا حياة الاضطهاد بسبب ما يواجهونه من مواقف خطيرة ترافقهم طيلة النهار وآناء الليل ، محرومين من أبسط الحقوق المستحقة والٱمكانيات اللازمة للقيام بواجبهم الوطني دون تحفيزات مادية أو معنوية ترد إليهم الاعتبار وتمنحهم شحنة إضافية من العزيمة لمواجهة البلاء الذي صارعوه ولازالوا ويصارعونه كوحش كاسر تماما كما يخرج جيش أعزل لمواجهة عدو قاهر ومدجج في ساحة الوغى بلا سلاح حتى أو تكافؤ في العدة والعتاد والعدد ، مما يجعل جيشنا الأبيض أطباءنا المغاوير أمام مصير مجهول تماما كربان سفينة تمخر عباب البحر بلا شراع أو مجداف ، يغامر بحياته وحياة طاقمه من أجل الوصول بالأمانة إلى بر الأمان .
كما أن الدولة جندت إلى جانب الجيش الأبيض كتائب من المجاهدين الذين أفنوا وقتهم وضحوا براحتهم وراحة أهلهم وذويهم في سبيل ضمان راحة المواطنين والمصلحة العامة خلال ما اصطلح عليه بحالة الطوارئ الصحية التي فرضتها الدولة كتدابير احترازية لمواجهة تفشي الوباء ، وعلى رأسهم رجال السلطة المحلية من ولاة وعمال وباشوات وقياد وأعوان سلطة وقوات مساعدة ورجال الأمن ورجال الشرطة الإدارية وجمعيات المجتمع المدني وغير ذلك من المتطوعين الذين أبوا إلا أن يشاركوا في هذه الملحمة الوطنية والإنسانية التي عبر فيها الجميع ، بمن فيهم شريحة واسعة من المواطنين ، عن مستوى وعيهم ومسؤوليتهم في خدمة الصالح العام وتجندهم وراء قائد البلاد شفاه الله وعافاه وأدام له النصر والتأييد .
وهكذا فقد استطاع المغرب بكل هذه الفئات المجتمعية المدنية والرسمية ومؤسساته ومكوناته أن يحقق ما عجزت عن تحقيقه بلدان متقدمة في مواجهة تبعات جائحة كورونا التي أتت بنتائج صادمة من حيث الإصابات التي تم عدها بالملايين ، والوفيات التي فاقت نسبة شخص في الدقيقة ، مثلما حدث في الولايات المتحدة رغم اعتبارها رائدة في المجال الصحي ومجالات أخرى كثيرة ومتنوعة لم تستطع أن تدفع عنها ويلات الجائحة التي لازالت تضربها بقوة وتحبط عزيمتها وتفشل قواها الصناعية والاقتصادية التي كان يضرب بها المثل في الريادة الدولية …
لكن نجد أن المغرب بإمكانياته المادية واللوجستية البسيطة قد استطاع فرض مكانته في مواجهة الجائحة بمستوى مثير للانتباه خلال المرحلة الأولى من التعامل مع مواجهة الجائحة ، وكذا جزء من المرحلة الثانية ، لكن بعد ظهور ارتباكات في متابعة احتواء الجائحة ، تبين أن الأمر سيتوجه نحو منعرج خطير يؤدي إلى انفلات صحي شعبي لا يمكن كبحه إلا بالصرامة مثلما حدث ببعض المدن والأقاليم كطنجة وفاس وغيرهما من المدن والمناطق التي تحولت إلى بؤر وبائية بفعل استهتار المواطنين بالأمر ، مما قد يفتح على البلاد أبواب جهنم . وكل هذا يقتضي من المسؤولين الرفع من درجات الاحتراز وربط المسؤولية بالمحاسبة واستعمال وسائل الزجر والعقاب في حالة الإخلال بالنظام الصحي العام ، والعمل على تمرير رسائل توجيهية وتوعوية مباشرة وغير مباشرة لتحسيس المجتمع المدني بضرورة الانخراط بشتى الوسائل في المشاركة في احترام وتفعيل قرارات الدولة الرامية إلى احتواء الجائحة ومحاربة كل ما من شأنه إحباط مجهودات الدولة الرامية إلى ضمان أمن وصحة وسلامة المواطنين وذلك بالانتصار على الوباء وعودة الحياة إلى مجراها الطبيعي .
لهذا فلابد للدولة حتى تكون لسياستها ومجهوداتها نجاعة أكثر أن تحدد المسؤوليات وتمنح سلطات أكثر ، في هذه الظروف الحرجة ، لأجهزتها حتى تتمكن من احتواء الوضع الذي يبدو أنه بدأ يتأزم فعلا بانتشار بؤر الوباء لتشمل العديد من الأحياء ذات الكثافة العالية والتي قد تصبح عبارة عن قنابل موقوته بإمكانها أن تنفجر في أي لحظة وتأتي على اليابس والأخضر ويصعب معها التدخل لإنقاذ الموقف .
لهذا فعلى الدولة أن تسخر كل إمكانياتها وتوسع الصلاحيات بالنسبة لأجهزتها التي نجد بعضها كالشرطة الإدارية مثلا التي لا تتمتع بأية سلطة فعلية ، رغم المجهودات الجبارة التي يقوم بها عناصرها من تنظيم للسير أمام المرافق والمنشآت العمومية وضبط النظام داخلها والتتبع والمراقبة والتوعية إلى غير ذلك من الأعمال الجليلة التي تقوم بها ، ومع ذلك يبقى دورها أدبيا لا غير ، بحيث نجد أحيانا بعض المواطنين والمهنيين يمارسون عليهم تعنتهم ، في عدم الامتثال لنصائحهم وتوجيهاتهم التي لا تصب إلى في مصلحتهم ومصلحة المواطنين عامة ، مما يضع عناصر الشرطة الإدارية في مواقف الحرج ويجعل مجهوداتهم أحيانا دون الأهداف المنشودة والمتوخاة من هذا الجهاز الفاعل والذي يحتاج إلى المؤازرة وإثبات الذات والوجود إما بمنحهم سلطة فعلية تضمن فاعليتهم وترد إليهم الاعتبار ، عوض أن يكونوا عبارة عن عناصر لتزيين الواجهات ليس إلا ، وخاصة أمام أشخاص عديمي الإحساس بالمسؤولية لا يعيرون هذا الجهاز أي أهمية مثلما يحدث بمداخل المرافق العمومية كسوق الجملة للخضر والفواكه بالدار البيضاء الذي يشهد فوضى عارمة في كل من الدخول والخروج اللذين يحرص رجال الشرطة الإدارية خلالهما على مطالبة زوار المرفأ بارتداء الكمامات واحترام مسافة التباعد الصحية وتذكيرهم بضرورة ذلك حفاظا على سلامتهم وسلامة المواطنين ، ليواجهوا أحيانا كثيرة بردود فعل لا تليق بمستواهم وبمستوى المسؤولية الملقاة على عاتقهم ، لتصل في بعض الأحيان الأخرى إلا ملاجاة وملاسنات وتعنيف لفظي وجسدي في حق عناصر هذا الجهاز الذي يبذل كل ما في وسعه للقيام بواجبه وتقديم يد المساعدة للجميع سواء مواطنين متبضعين أو مهنيين وتجار ، مما يوجب على المسؤولين المعنيين التفكير في إيجاد حل جدي لرد الاعتبار لهذه الشريحة الهامة من المجتمع والجهاز الجديد الذي يعتبر مولودا جديدا يحتاج إلى وضع فعلي وسلطة فعلية ليؤكد فاعليته بها وتزكي دوره العملي في المجتمع ، أو على الأقل أن تكون بصحبته عناصر أمنية من رجال الشرطة وعناصر القوات المساعدة لتقوي موقفه وتجعل له هيبة ووزنا وقيمة أمام كل من تسول له نفسه الاستهتار بتعليمات وقرارات مؤسسات الدولة ، وخاصة في مثل هذه الظروف الصحية الراهنة التي تحتاج إلى ضبط أكثر وامتثال أكبر ودائم لقرارات الدولة الاحترازية والتي أصدرت في إطارها حالة الطوارئ للخروج من محنة الجائحة ، هذه الجائحة التي يبدو أنها بدأت في التفشي في العديد من الأحياء كمشروع الحسن الثاني بالحي المحمدي بالدار البيضاء وأحياء أخرى بكل من فاس وطنجة وغيرها وكذلك بالعديد من المرافق التجارية والفرق الرياضية التي أصيبت أطقمها الرياضية وغيرها بسبب الاستهتار ، واللامبالاة الصادرة عن بعض المواطنين المستهترين ، مما يستدعي منا الوقوف وقفة رجل واحد وتسخير كل إمكاناتنا وطاقاتنا ونسير بنظام وانتظام في سبيل القضاء على هذه الجائحة الوبائية ونخرج منتصرين عليها بإذن الله تعالى والله ولي التوفيق …وللحديث بقية .



