الشروق المغربية
بقية الحديث…كثيرا ما نصادف العديد من مظاهر الفساد والغش التي تمر أمام أنظار المسؤولين بهذا البلد السعيد دون استثناء أي مصلحة أو ميدان أو تلوين أو درجة على الإطلاق ، إلا من رحم ربك ، بحيث فاقت الطامة الحدود وألغت العادة القيود ، لدرجة أنه تم تبني قول مأثور ومشهور يعبر عن انغماس المواطنين بالتمام في أوجه الفساد هذه ، وتقبلهم لمظاهره بكل أريحية واستسلام للوضع الكارثي ، في كونه يقول : ” إذا عمت هانت ” غير مبالين بما قد ينجم عن موقفهم هذا من زيادة تفشي الفساد في ثقافة المجتمع يمينة وسيرة ، والذي بالنظر إلى المسؤولين الذين يَرَوْن أنفسهم خارج لعبته ولا ينتسبون إليه ، لأنهم من طينة أخرى ، طينة المحظوظين أصحاب السيادة والسلطة ، هذا الوضع الذي يمنحهم صفات مخالفة للعامة ومميزات توسع دائرة نفوذهم وتجعلهم ينعمون بالحياة الكريمة والعيش ” فوق السلك ” غير آبهين بما يحدث تحت السحاب والغيوم ، ماداموا يعيشون في عالم آخر مخالف لعالم المواطنين الكادحين في البحث عن قوتهم اليومي الذي يصفه المثل الشعبي بالخبز الحافي المتأتى والمجلوب من النار ، تعبيرا عن صعوبة الحصول على الرزق لسد الرمق لا غير ، واتقاء شبح الجوع الذي لا يرحم والذي يلاحقهم حتى آخر نفس يلفظونه على وجه هذه الأرض المباركة التي كتب عليهم فيها أن يتحملوا المشاق والمصائب ويلاقوا المصاعب ، ليضمدوا جراحها بالصبر والسلوان ، ويبتلعوا ريق الشوق والحاجة ليتعايشوا مع الحرمان ، مستأنسين بالوضع المتأزم الذي ألفوه واعتادوا عليه وأصبحوا يسايرون مجرياته ويتقبلون أحكامه برحابة صدر وتلقائية وعفوية ورضا يثلج صدورهم ويدفعهم إلى التعامل معه كقدر محتوم لا هروب منه أو مناص من تقبله بالشكل والمضمون الذين تم فرضهما عليهم مستسلمين له خانعين . وقد ندرج بعض حالات الفساد التي أفاضت الكأس ، إن لم نقل أفاضت البحر ، والتي تطرح نفسها في الواقع بقوة ، مع إغفال الجزء المليء الذي لايكفيه مداد مهما كانت كميته لإيفاء الغرض في سرد أوجه الفساد ومكوناته وأسبابه ونتائجه السلبية على المجتمع وأي كيان كان اقتصاديا أو ثقافيا أو تربويا أو صحيا أو…وهلم جرا… فمن الغرائب التي أصبحت مسلما بها ، ما حدث لمواطن مغربي على سبيل المثال لا الحصر ، بمدينة مراكش ، أنه طلب من ناذل تقديم مشروب غازي له ، فأتاه بقنينة ماء أولماس التي باشر الزبون في شرب محتواها ليفاجأ بأن المنتوج المذكور قد فقد بعض مميزاته ، مما أثار شكوك الزبون ليتفحص تاريخ صلاحية المنتوج ويلاحظ أنه قد فات ولم يعد المشروب صالحا للاستهلاك ، مما أدخل الزبون في حيرة من أمره لخوفه من حالة التسمم التي يمكن أن تنتج عن مثل هذه الحالات ، ليدخل في متاهة الاستفسار عن مدى تأثير ذلك على وضعه الصحي باتصاله بالعديد من المصالح المختصة والوصية على مثل هذه الحالات الشاذة السائدة ، ليتلقى أجوبة غير شافية جعلته بين قوسي حيص بيص ، والأمثلة كثيرة ومتعددة … مما يثير الشك حول جدوى وضرورة كل هذه الأجهزة المجيشة لتنظيم ومراقبة وتتبع المجالات الحيوية الحساسة ، والتي يبقى دورها مقتصرا على تدوينات على الأوراق وبنود تسترعي الأنظار وتزين واجهات هيئات ومؤسسات ، ويتبجح بها هنا وهناك ، وتؤخذ كطلاسيم تستغفل عقول السدج من المواطنين المغلوبين على أمرهم ، وغبار يذر على عيونهم ويحجب عنهم الرؤية ويتركهم في الظلمات المفتعلة يعمهون ، ومنها ما يهم ميدان الصحة الذي يعرف عدة خروقات وفوضى عارمة وتسيب لا نظير له ، هذه الوضعية التي من شأنها أن تعطي نتائج عكسية وخطيرة على صحة المواطنين وسلامتهم الصحية التي تصبح مهددة ومذيلة بتبعات لا يحمد عقباها. كما أننا لا نكاد ننتقل من مجال إلى آخر حتى ننغمس في وحل هذا الأخير بمصادفتنا لحالات يندى لها الجبين ، من ممارسات غير قانونية وتضرب جميع المواثيق الدولية والوطنية والمحلية ، في ضرب سافر أيضا لدستورنا وقوانيننا ومصلحة البلاد والعباد وسلامة المواطنين وأمنهم الصحي والنفسي ، بحيث نسوق حدثا غريبا وسائدا يتجلى في تزويد المواطنين بقنينات أو حاويات غاز البروبان الخاص بالطبخ ، وهي في حالة لا يمكن تصورها ، بحيث تظن أنها قد مرت بجميع الحروب العالمية لتأخذ صورة إحدى مخلفاتها وتصبح عبارة عن قنابل موقوته تهدد سلامة وصحة المواطن في كل وقت وحين ، ناهيك عن حالات تزيد خطورة أو تقل وتتمثل على سبيل المثال لا الحصر في في العديد من المجالات الحيوية كالنقل بجميع أصنافه الذي يذكرنا أيضا ببقايا ومخلفات الحروب ، هذه الوسائل التي تفتقد لأبسط شروط السلامة من إضاءة وإشارات ضوئية ولوحات تعريفية مهترئة بالإضافة إلى تصرفات السائقين الطائشة وخاصة بالنسبة للنقل العمومي الحضري وغيره من حافلات وسيارات الأجرة ، هذا الأسطول الكبير الذي أصبح غولا رهيبا يخيف المواطنين والأمنيين نظرا للتكتلات التي أصبحوا يؤسسونها بفضل النقابات والجمعيات التي يستعملونها كوسيلة ضاغطة وحامية لهم ومدافعة عنهم حتى في حالة ارتكابهم للخروقات وتحديهم للقانون ولا من يحرك ساكنا أو ينتفض ضد هذه التصرفات المشينة اللامشروعة واللاوطنية ، سواء من طرف المسؤولين المباشرين التابعين لهذا القطاع أو ذاك، أو جمعيات المجتمع المدني التي تصنف نفسها مدافعة عن صحة وأمن المواطنين وحقوقهم كجمعيات حماية المستهلك والجمعيات الوحقوقية والمهنية … لضبط الحالات المخالفة للقانون والمهددة لسلامة وأمن الوطن والمواطنين ، بالضرب على أيدي المخالفين المستهترين وردعهم حتى يعودوا إلى جادة الصواب ويكونوا عبرة لكل من تسول له نفسه الإقدام على تجاوز القانون والربح السريع وغير المشروع ، على حساب صحة وأمن المواطنين وراحتهم… والأمثلة كثيرة ومتنوعة ، سنتطرق إليها لاحقا ، مما يستدعي تظافر الجهود والتحلي بالوطنية والإنسانية وروح المسؤولية ، كل من مكان مسؤوليته ، حتى نتصف بالمسؤولية لاحقة ونتمكن من إحاطة هذه الخروقات وتجاوز المشاكل ونشر ثقافة القانون والتعاون والتكامل ، وتخليق الحياة العامة بهذا الوطن العزيز الذي يقوم بِنَا كمواطنين ومؤسسات ومجتمع متعاون بكل شرائحه ومكوناته ، حتى نبلغ ما نصبو إليه من ازدهار ورفعة ورخاء ورفاه…وللحديث بقية.



