عزالدين النسوي
أنا إنسان ابن حضارة تمتد إلى ما قبل الميلاد، أنا زاكوري، درعي شريفا كنت أومرابطيا، أوأمازيغيا، زنجيا أو عربيا، المهم أنني أنحدر من قبائل بني معقل، والتي يرجع نسبها حسب ابن خلدون الى ال البيت، أنا من مدينة الزمن الجميل، زمن السعديين أبطال موقعة وادي المخازن، أنا من زمن ازدهار العلوم والآداب أساسا والشعر، خاصة في قصائد الملحون مع عبد الله ابن حساين الدرعي، الذي كان له السبق في نظم هذا النوع الأدبي الشعبي العامي، أنا من الزاوية الناصرية ، أنا من موطن ألف قصبة وقصبة، أنا من قصبة الباشا الكلاوي وقصبة المخزن وقصبة تمنو كالت… أنا من أرض الرمال الذهبية ومن زمن قصر العلوج ورحلة 52 يوما نحو اسرارتمبوكتو، أنا من عروس الصحراء وذاكرة الملك والشعب.
أنا من مدينة يصل فيها التعايش إلى حد التمازج بين الاعراق المختلفة، يجمعهم في كل أيام الأسبوع السوق الشعبي البسيط، بتجاره وخيامه ، وبضاعته وزواره، سوق يمشي فيه الزمن متمهلا لا تستوقفه إلا الإبتسامات والتحيات والمصافحات أنا الانسان الزكوري المتحضر، ذو ثقافة عميقة موغل في القدم، أنا إنسان محب للطبيعة ملتسق بالأرض.
ولأن كل واحد يمارس وجوده في هذه الجغرافية القاسية، فقد اختارت نساء بلدتي لغة الخيوط، فكأن الزربية خطا بهن الذي يحكي للعالم وعي المرأة الزاكورية، لذالك ترتكز على إنتقاء كل شيء، فكل خيط في مكانه يحكي قصة قبيلة بأكملها، فالألوان تستعير قوتها من زرقة مياه درعة وخضرة النخيل، أومن حمرة الشمس والحناء، حروف أمازيغية شاهدة على الحضارة، وأشكال هندسية ترسم حدود الحقل والواحة.
أنا من تدخر نساء مدينتي الحلي وتستثمر فيها، إما عبر شرائها عندما تتوفر لديها النقود، أوعبر مقايضتها بالحبوب أو التمر، وغيرها من المنتجات الزراعية، أنا الفلاح الذي يمتلك أراضي الجموع والأحباس، وأراضي الملك الخاص، أزرع فيها قوت يومي أنا ابن النخيل الذي يحرص الزرع والمناخ والانسان ويختزل أشعة الشمس في صمت وينحني لقسوتها.
أنا اليوم من تركتموني ألفظ أنفاسي الأخيرة في طرق تيشكا الموحشة، ولم أشارك فرحة العيد مع أبنائي، انا الطالب الذي حصل على شهادة البكالوريا ولم تعبدوا لي الطرق في سبيل إتمام دراستي الجامعية، أنا المرأة الحامل علقت بين هذه الجبال أحتمل الام المخاض وألام البرد القارس، أنا من تركتموني في العراء تحت حر الشمس وأغلقتم المستشفى الذي يفتقر لأبسط الشروط، أنا في المغرب فقط من يؤدي ثمن فاتورة الماء الصالح للشرب الذي اشتريه من عند ” مول الستيرنة ” وفاتورة الماء الطالح (غير الصالح للشرب) أنا من المغرب غير النافع، ويتذكرونني فقط موسم إنتاج التمور وأيام البطيخ الاحمر حيث يتردد أسمي في كل مدن المغرب.
عندما تمر من مدينتي زاكورة، تحمل معك صدى الأهازيج الشعبية بالموال وإقاع الطبول ترديد إقاع قصة إنسان، إنسان يتحدى الشمس والتصحر والتهميش ليحلم بغد أفضل، غد تمطر فيه السماء وتزهر الحقول ولايموت النخيل، وفي انتظار اللقاء بالحلم والفرح،يرقص الجميع وتهتز الاجسام، إما فرحا بشمس زاكورة، أوشوقا لرؤية الحياة وهي تستيقظ في النخيل والحقول والإنسان.




كتبت فأبدعت فأحسنت ، شكرا لك فقد أوصلت صوتا لنا لطالما كبتناه في صدورنا .