د . عبد اللطيف سيفيا
بقية الحديث…لعل اشتعال فتيل التوتر بين إيران والولايات المتحدة ليس وليد مرحلة حكم ترمب الحالية ، بل تعود التوتُّرات بين إيران والولايات المتحدة إلى عقودٍ تسبق إدارة ترامب بكثير ، ولطالما كان بؤرةَ التوتُّر الأخطر مضيقُ هرمز، الممر المائي الضيق الذي يربط الخليج ببقية العالم، وهو قناة مائية يمر بها حوالي 40% من حركة ناقلات النفط بالعالم، مما يستجلي أهمية موقعه الاستراتيجي ، الأمر الذي جعله في خلفية التهديد والوعيد العسكري بصورة متكررة ، بحيث هددت إيران بإغلاق المضيق أثناء حربها مع العراق، في الفترة ما بين عام 1980 و 1988، وهددت أيضا بتلغيم الممر المائي المذكور.كما تعهد الأسطول الخامس الأمريكي، الذي يحرس المنطقة انطلاقاً من قاعدته في البحرين، بمنع أي تهديد للملاحة المائية.
فتوالت وضعيات كثيرة لتضارب مصالح الطرفين وحلفائهما ليطفح الكيل ويصبح الغريمان على المحك المباشر بركوب صهوة التحدي والوقوف وجها لوجه ، بعد تصادم القوات الأمريكية والإيرانية في المضيق ومراراً في عام 1988، بعدما دمر لغم إيراني فرقاطة تابعة للبحرية الأمريكية.
وفي يوم 18 أبريل من سنة 1988، أغرق الأمريكيون ثلاث سفن بَحرية إيرانية، ودمروا منصتي مراقبة ، فيما كانت تقريباً حرباً من يومٍ واحد، لتحدث المواجهة الأكثر دموية بين البلدين بالمضيق في يوليو 1988، حين قامت سفينة حربية أمريكية بإسقاط طائرة ركاب إيرانية بصاروخ أرض-جو، وهو ما أودى بحياة 290 شخصاً، هم كلُّ مَن كانوا على متن الطائرة، بينهم 66 طفلاً. وقال الأمريكيون أنهم ظنوا طائرة الركاب هذه طائرة مقاتلة .
وتلتها مواجهات أخرى لم تكن بالدموية، لكن نُظِر إليها بأنها مُحرِجة.
ففي ديسمبر من سنة 2011، ادعت القوات الإيرانية أنَّها أسقطت طائرة استطلاع أمريكية متطورة من دون طيار، قال الأمريكيون بعدما فُقِدَت، إن الطائرة تحطمت، وطالبت إيران بإعادتها.
وبدلاً من ذلك، وضع الإيرانيون الطائرة من دون طيار للعرض، وادعوا لاحقاً أنهم عكسوا هندستها لإنتاج طائرة من دون طيار خاصة بهم…وهكذا استمر الوضع حذرا بين تتبع ومراقبة وترصد من الجانبين ، إلى أن جاءت مرحلة الرئيس الأمريكي العنيد ترامب الذي عبر عن موقفه الرافض لمواقف وممارسات إيران ، لينسحب من الاتفاق النووي الذي وقعته طهران مع القوى الكبرى في عام 2015.
بحيث نص هذا الاتفاق على خفض العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران، مقابل وقف جميع أنشطتها النووية.
لتعلن إيران بدورها عن ردها على موقف ترمب بتعليق التزاماتها الخاصة بالاتفاق النووي وتهدد باستئناف إنتاج اليورانيوم المخصب بعد أن أعادت واشنطن فرض عقوباتها على طهران.
وفي شهر يناير من سنة 2016، قبل أيام من دخول الاتفاق النووي حيز التنفيذ، أسَرَت البحرية الإيرانية 10 بحارة أمريكيين كانوا يُسيرون دورية قوارب وانحرفت قواربهم إلى المياه الإقليمية الإيرانية في الخليج.
والتقط الإيرانيون صوراً للبحارة وهم جاثمون على رُكَبهم، وهي خطوة كان الهدف منها بوضوح، إهانة الولايات المتحدة.
فأُطلِق سراح البحارة بعد 24 ساعة، وخلص تحقيق لوزارة الدفاع الأمريكية إلى أنَّ تخبُّط البحرية الأمريكية كان هو السبب.
ومما زاد تخوفات الولايات المتحدة الأمريكية أيضا بعض الأسباب غير المباشرة تمثلت في نشوء علاقات سياسية بين إيران والعراق ونمو تحالف بينهما ، وذلك منذ الإطاحة بالرئيس السابق صدام حسين، وما تلا ذلك من صعودٍ للحكومات التي يقودها الشيعة.
وبعدما كانتا عدوتين لدودتين في الماضي، شهدت الانتخابات الوطنية العراقية الأخيرة حصول أحزاب مرتبطة بقوات الحشد الشعبي شبه العسكرية –وهي مظلة جامعة تضم نحو 50 مجموعة شبه عسكرية تربط كثير منها علاقات مع طهران، وقاتلت بنجاح ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش)- على مزيدٍ من السلطة.
تحرَّكت إيران أيضاً لتعزيز علاقاتها الاقتصادية مع العراق، وهو الأمر الذي عمَّق العلاقات أكثر. وخلق تنافسا مباشرا شرسا على النفوذ في العراق خاصة والمناطق المجاورة على العموم ، بين كل من إيران والولايات المتحدة.
ومباشرة خلال الأسبوع الفارط ، بعد أيام من ادعاء المسؤولين الأمريكيين لأول مرة، وجود تهديد وشيك من إيران، أجرى وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو زيارة غير معلنة، استغرقت ساعات، لبغداد، لبحث ما قال إنَّها دلائل على تزايد الأخطار المحيطة بالأمريكيين هناك. ليلتقي بكل من وزير الخارجية ورئيس الوزراء العراقيين .
وقال مسؤولون بصحيفة ( دو نيويورك تايمز )إنَّ مخاوفهم تتركز على الحرس الثوري الإيراني وعلاقاته مع بعض الميليشيات العربية الشيعية، وقالوا إن لديهم معلومات تشير إلى خطط لحشد المجموعات الوكيلة لإيران في العراق وسوريا لمهاجمة القوات الأمريكية.
ليؤكد مسؤولون بالبيت الأبيض صراحة أن المعلومات الاستخباراتية تتضمن صوراً لصواريخ منصوبة على زوارق صغيرة في الخليج، نصبتها هناك قوات شبه عسكرية إيرانية. وتخشى الولايات المتحدة من إمكانية إطلاق تلك الصواريخ على البحرية الأمريكية.
بالإضافة إلى ذلك، أشار المسؤولون الأمريكيون إلى تهديداتٍ للملاحة التجارية وهجماتٍ محتملة من جانب ميليشيات لديها علاقات بإيران على القوات الأمريكية في العراق.
وقام المسؤولون العراقيون هذا الأسبوع بتحذير الميليشيات المرتبطة بإيران من الامتناع عن استفزاز الأمريكيين.
وهكذا يبدو أن الشيطان الإيراني أصبح يخلق المتاعب (للكويبوي) الأمريكي ويقض مضجعه بقوة ويجعل أحلامه رعبا فائقا وكوابيس لا يستطيع لها تفسيرا أو حلا إلا بالاستيقاظ من أحلام اليقظة التي يرى نفسه خلالها ممتطيا جوادا أبيض يظن أنه فأل خير عليه ، بيد أنه يمكن أن ينقلب عليه ليجده فرس عزرائيل الذي سيأخذه إلى مصيره الحتمي هو وكل من يقف في صفه…وللحديث بقية.



