Sunday 26 July 2026

«الأوديسة» لكريستوفر نولان… حين تتحول الأسطورة إلى سينما خالدة

الشروق المغربية

ليست كل الأعمال الأدبية العظيمة قابلة للانتقال إلى الشاشة الكبيرة. فهناك نصوص تبدو أكبر من أن تُختزل في ساعتين أو ثلاث، وأشد تعقيدًا من أن تحتويها الصورة مهما بلغت براعتها. ولعل ملحمة “الأوديسة” لهوميروس، التي كُتبت قبل ما يقارب ثلاثة آلاف عام، كانت طوال تاريخ السينما إحدى تلك المغامرات المستحيلة. عشرات المحاولات اقتربت منها، لكن جميعها عجز عن الإمساك بروحها الكاملة… حتى جاء كريستوفر نولان.

لم يتعامل نولان مع “الأوديسة” باعتبارها قصة بطل يعود إلى وطنه بعد الحرب، بل قرأها بوصفها رحلة الإنسان في مواجهة الزمن، والقدر، والخوف، والخسارة. لذلك بدا الفيلم أقرب إلى إعادة اكتشاف الملحمة، لا مجرد اقتباس لها.

منذ اللقطات الأولى، يدرك المشاهد أنه أمام عمل لا يعتمد على المؤثرات البصرية وحدها، رغم ضخامتها، بل على بناء سردي معقد اعتاد نولان أن يقدمه في أفلامه السابقة مثل Inception وInterstellar وMemento. فالزمن هنا لا يسير في خط مستقيم، وإنما يتشظى بين الحاضر والماضي والذكريات والرؤى، ليعيد تركيب شخصية أوديسيوس قطعةً قطعة، حتى يصبح المشاهد شريكًا في رحلته لا مجرد متفرج عليها.

ويُحسب لنولان أنه لم يسقط في فخ تحويل الملحمة إلى استعراض حربي فقط. فالمعارك، مهما بلغت ضخامتها، ليست سوى خلفية لصراع أعمق: صراع الإنسان مع نفسه. أوديسيوس هنا ليس بطلاً خارقًا، بل رجل أنهكته الحرب، وأثقلته القرارات، ويطارده الشعور بالذنب بقدر ما يطارده غضب الآلهة.

أما على المستوى البصري، فقد بلغ الفيلم مستوى استثنائيًا. فقد استثمر نولان أحدث تقنيات التصوير بكاميرات IMAX ليمنح البحر، والجزر، والعواصف، والمدن الإغريقية، حضورًا يكاد يجعل المشاهد يشعر بأنه يعيش داخل الأسطورة نفسها. ولم تكن الصورة مجرد زينة، بل أصبحت وسيلة للسرد، تعبر عن الخوف والوحدة والأمل أكثر مما تفعله الحوارات.

ومن أبرز نقاط قوة الفيلم أيضًا اختياراته التمثيلية. فقد نجح الممثلون في تقديم شخصيات أسطورية بقدر كبير من الإنسانية، بعيدًا عن المبالغة المسرحية التي وقعت فيها أعمال كثيرة تناولت الميثولوجيا الإغريقية. فبينيليوبي لم تعد مجرد زوجة تنتظر، بل أصبحت رمزًا للصبر والإيمان، بينما ظهر تيليماخوس كشاب يبحث عن والده بقدر بحثه عن هويته.

ورغم التزام الفيلم بالخطوط العامة للملحمة، فإن نولان لم يتردد في إعادة ترتيب بعض الأحداث واختصار أخرى، حفاظًا على إيقاع العمل. وهو قرار سينمائي ذكي، لأن نقل النص حرفيًا كان سيجعل الفيلم يمتد لساعات طويلة ويفقد جزءًا من تأثيره الدرامي.

واللافت أن الفيلم لا يقدم “الأوديسة” باعتبارها قصة يونانية قديمة، بل يجعلها حكاية معاصرة عن الحروب، والمنفى، والحنين إلى الوطن، وثمن الانتصارات التي قد تتحول إلى هزائم داخلية. وهي أفكار جعلت الملحمة تبدو وكأنها كُتبت لعصرنا، لا لعصر هوميروس.

في النهاية، لا يمكن اعتبار “الأوديسة” مجرد فيلم جديد في مسيرة كريستوفر نولان، بل يبدو تتويجًا لتجربة سينمائية امتدت لأكثر من عقدين. إنه عمل يجمع بين الفلسفة، والشعر، والتقنية، والإبهار البصري، دون أن يفقد روحه الإنسانية.

لقد نجح نولان في تحقيق ما ظنه كثيرون مستحيلاً؛ فلم يقتبس “الأوديسة” فحسب، بل أعاد إحياءها بلغة السينما الحديثة، ليؤكد أن بعض الأساطير لا تموت، وإنما تنتظر المبدع القادر على أن يرويها من جديد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *