الشروق المغربية
أعاد فيديو منسوب إلى الدكتور يونس الشرايبي، جرى تداوله على نطاق واسع، فتح النقاش حول طريقة تعامل بعض الإدارات العمومية مع المرتفقين، بعدما كشف، وفق ما ورد في شهادته، عن واقعة داخل إحدى الملحقات الإدارية بالعاصمة الرباط، تحولت من مجرد تأخر في تقديم خدمة إلى سؤال أكبر يتعلق بثقافة المرفق العمومي واحترام وقت المواطن.
وبحسب ما أورده الشرايبي في شهادته، فقد توجه في حدود الساعة الحادية عشرة صباحاً إلى إحدى الملحقات الإدارية من أجل القيام بإجراء إداري روتيني، قبل أن يفاجأ، وفق روايته، بموظفة تطلب منه الانتظار إلى حين انتهاء فترة الفطور، وهو ما أثار استغرابه، خاصة أن الأمر يتعلق بمرفق عمومي يفترض أن يظل في خدمة المواطنين خلال أوقات العمل الرسمية.
لكن العبارة التي أثارت تفاعلاً واسعاً كانت، بحسب مضمون الفيديو، «بلاتي نفطرو»، باعتبارها تختزل بالنسبة إلى صاحب الشهادة إشكالاً يتجاوز واقعة فردية، ليطرح سؤالاً حول مدى احترام الزمن الإداري وحقوق المرتفقين داخل بعض المرافق العمومية.
والأكثر إثارة في الواقعة أن الشرايبي، وفق ما جاء في شهادته، لم يكتفِ بالتعبير عن استيائه، بل توجه للاستفسار عن المسؤول، قبل أن يتلقى جواباً يفيد بأن الموظفين لا يجدون وقتاً لتناول وجبتهم، وهو تبرير اعتبره غير مقنع، باعتبار أن تنظيم أوقات العمل والاستراحة شأن إداري يفترض ألا يتحول إلى تعطيل لمصالح المواطنين.
غير أن القضية، في بعدها الأوسع، لا ينبغي أن تتحول إلى محاكمة لموظفة بعينها، بقدر ما تستدعي طرح سؤال مؤسساتي: هل توجد آليات فعالة لمراقبة جودة استقبال المواطنين داخل الملحقات والمرافق الإدارية؟
فالمواطن الذي يقصد الإدارة لا يبحث عن امتياز، وإنما عن خدمة يفترض أن تقدم في إطار القانون وفي ظروف تحترم كرامته ووقته. وإذا كان للموظف حقه في الاستراحة، فإن للمرفق العمومي أيضاً واجب تنظيم العمل بما يضمن استمرارية الخدمة وعدم ترك المرتفقين في وضعية انتظار غير مبررة.
وتزداد حساسية الواقعة بالنظر إلى كونها حدثت داخل إدارة تابعة لوزارة الداخلية، وهي المؤسسة التي يفترض أن تكون المرافق التابعة لها واجهة مباشرة للدولة أمام المواطن، وأن تعكس قيم الانضباط والنجاعة وحسن الاستقبال.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه هذه الواقعة ليس فقط: من قال «بلاتي نفطرو»؟ وإنما: من يراقب طريقة اشتغال المرافق العمومية، ومن يحاسب عندما يشعر المواطن بأن وقته ومصلحته يأتيان في المرتبة الثانية؟
كما أن انتشار الفيديو بهذه السرعة يكشف جانباً آخر من العلاقة المتوترة أحياناً بين المواطن والإدارة؛ إذ أصبح المواطن يلجأ إلى التصوير والاحتجاج العلني عندما يشعر بأن صوته لا يجد طريقه عبر قنوات الشكايات التقليدية.
وفي انتظار أي توضيح رسمي بشأن الواقعة وملابساتها، تبقى المسؤولية قائمة على عاتق الإدارة في ضمان استمرارية الخدمات، وتنظيم فترات الاستراحة دون التأثير على مصالح المرتفقين، وترسيخ ثقافة تجعل احترام المواطن جزءاً من جودة الخدمة وليس مجرد شعار إداري.
فالمرفق العمومي لا يُقاس فقط بعدد الوثائق التي يسلمها، وإنما أيضاً بالطريقة التي يعامل بها المواطن. وإذا كانت الدولة تراهن على تحديث الإدارة ورقمنتها، فإن احترام خمس دقائق من وقت المواطن قد يكون أحياناً أكثر دلالة على نجاح الإصلاح من عشرات الشعارات المرفوعة حول الإدارة الحديثة.



