الشروق المغريية
كلما أُغلقت ثغرة على الحدود، فُتحت أخرى في نفوس الشباب. وكلما اشتدت المراقبة الأمنية على السواحل، ازداد الإصرار على ركوب المجهول. إنها مفارقة تكشف أن الهجرة غير النظامية ليست أزمة حدود بقدر ما هي أزمة أمل.
فمشاهد مئات الشباب وهم يندفعون سباحة نحو سبتة المحتلة لا يمكن اختزالها في خرق للقانون أو تحدٍّ للإجراءات الأمنية. إنها رسالة صامتة، لكنها أكثر بلاغة من أي خطاب رسمي، مفادها أن هناك من لم يعد يرى في وطنه فرصة تستحق الانتظار.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن المقاربة الأمنية، مهما بلغت صرامتها، قادرة على تأجيل الظاهرة لكنها عاجزة عن إنهائها. فحين يصبح البحر أهون من البطالة، والمجهول أقل قسوة من واقع التهميش، فإن المشكلة لا تكمن في السواحل، بل في اليابسة.
ورغم ما يُعلن عن برامج للتشغيل والإدماج والتنمية، لا تزال الأسئلة الجوهرية مطروحة بإلحاح: لماذا لا يلمس آلاف الشباب أثر هذه البرامج في حياتهم؟ ولماذا يتحول الوصول إلى سبتة، بالنسبة للبعض، إلى لحظة انتصار، بينما يفترض أن يكون النجاح الحقيقي في بناء مستقبل كريم داخل الوطن؟
إن أخطر ما تكشفه هذه المشاهد ليس ارتفاع أعداد المهاجرين، بل تراجع منسوب الثقة في إمكانية تحقيق الذات داخل البلاد. فحين يفقد الشباب الإيمان بأن التعليم والعمل والجد والاجتهاد تفتح أبواب المستقبل، يصبح البحر مشروعًا للحياة، مهما كان ثمنه.
فمواجهة الهجرة غير النظامية لا ينبغي أن تقتصر على تشديد المراقبة أو إحباط محاولات العبور، بل تستدعي مراجعة شاملة للسياسات العمومية الموجهة إلى الشباب، وربط المسؤولية بالمحاسبة في تقييم نتائج برامج التشغيل والتكوين والتنمية. فالسؤال الحقيقي لم يعد: كيف نمنع الشباب من الهجرة؟ بل: لماذا أصبح كثير منهم مقتنعًا بأن الخروج من الوطن أسهل من بناء مستقبل داخله؟



