Wednesday 19 August 2026

النيابة العامة بالمحاكم المغربية .. حماية المجتمع وتطبيق القانون لا البحث عن السجن

الشروق المغربية

يُتداول أحياناً خطاب يختزل دور النيابة العامة في كونها مؤسسة هدفها الزج بالناس في السجون، حتى أصبحت تُوصف في بعض النقاشات الشعبية بعبارات من قبيل «الغرّاق». غير أن هذا التصور لا يعكس طبيعة الدور الذي تضطلع به النيابة العامة داخل منظومة العدالة، ولا رسالتها الأساسية في حماية المجتمع وتطبيق القانون.

فالنيابة العامة ليست جهة تبحث عن إدانة الأشخاص بأي ثمن، وإنما هي طرف أساسي في الدعوى العمومية، يفترض أن يمارس مهامه في إطار القانون وبما يحقق التوازن بين حماية المجتمع وصون حقوق وحريات الأفراد. ومهمتها لا تقتصر على تتبع الأفعال الإجرامية، بل تشمل أيضاً البحث عن الحقيقة، واتخاذ القرارات القانونية المناسبة بناءً على المعطيات المتوفرة، مع احترام الضمانات التي يكفلها القانون.

ومن أكثر المفاهيم التي تحتاج إلى توضيح مسألة الاعتقال الاحتياطي. فهذا الإجراء لا ينبغي التعامل معه باعتباره عقوبة مسبقة، لأن العقوبة لا تكون إلا بعد صدور حكم قضائي وفق الضوابط القانونية. أما الاعتقال الاحتياطي فهو إجراء استثنائي تفرضه، بحسب كل قضية، ضرورات مرتبطة بسير البحث أو المحاكمة أو ضمان الحضور أو حماية النظام العام، وفق ما يحدده القانون.

وبالتالي، فإن الأصل هو احترام قرينة البراءة، وعدم تحويل الاعتقال الاحتياطي إلى وسيلة للعقاب قبل صدور الحكم. كما أن الإفراج يظل ممكناً متى توفرت شروطه القانونية وانتفت المبررات التي تستدعي استمرار الاعتقال.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل الدور المحوري الذي تضطلع به النيابة العامة في حماية المجتمع وتتبع الجرائم، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأفعال تمس سلامة المواطنين أو أمنهم أو ممتلكاتهم. فغياب التتبع الجدي للجرائم أو التساهل معها يمكن أن يؤدي إلى تفاقم مظاهر الانحراف والجريمة والإضرار بالأمن العام.

غير أن قوة النيابة العامة لا تقاس بعدد الأشخاص الذين يتم اعتقالهم، وإنما بمدى احترامها للقانون، وحرصها على الوصول إلى الحقيقة، وتحقيق التوازن بين حماية المجتمع وضمان حقوق الأفراد.

إن العدالة الحقيقية لا تعني الإفلات من العقاب، كما لا تعني التوسع في سلب الحرية؛ بل تعني تطبيق القانون بعدل وتجرد، ومحاسبة من تثبت مسؤوليته، وحماية من لم تثبت إدانته.

ومن هنا، فإن النقاش حول عمل النيابة العامة ينبغي أن يكون نقاشاً مسؤولاً، بعيداً عن الصور النمطية والأحكام المسبقة، لأن المجتمع في حاجة إلى مؤسسة قضائية قوية في مواجهة الجريمة، وفي الوقت نفسه حريصة على حماية الحقوق والحريات وسيادة القانون.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *