Saturday 22 August 2026

أزمة المبادئ.. عندما يصبح الانتقال السياسي عنواناً لتغليب المصلحة الشخصية

الشروق المغربية

في المشهد السياسي، لا يُقاس الالتزام بالمبادئ بعدد الخطب والشعارات، وإنما بمدى قدرة السياسي على الحفاظ على قناعاته عندما تتعارض مع حساباته الشخصية. غير أن ظاهرة الانتقال المستمر بين الأحزاب والتيارات تطرح سؤالاً مشروعاً حول حدود القناعة السياسية، ومتى يتحول الاختلاف المشروع إلى بحث عن موقع أو مقعد أو مصلحة انتخابية.

فحين ينتقل المرشح من تنظيم سياسي إلى آخر، ثم يعود ليغير وجهته مرة أخرى كلما تغيرت موازين القوى أو ظهرت فرصة انتخابية جديدة، يجد المواطن نفسه أمام ما يمكن وصفه بـأزمة المبادئ. فكيف يمكن لمناضل قضى سنوات يدافع عن برنامج وأفكار حزب معين أن يتخلى عنها بسهولة، ثم يواصل تقديم نفسه باعتباره حاملاً للمبادئ نفسها؟

المشكلة لا تكمن في تغيير الانتماء السياسي في حد ذاته، فالاختلاف داخل الأحزاب، وتطور القناعات، وإعادة تقييم التجارب، كلها أمور طبيعية في الحياة السياسية. لكن الإشكال يبدأ عندما يصبح الانتقال المتكرر مجرد وسيلة للوصول إلى موقع انتخابي أو الحفاظ على مقعد برلماني، بعيداً عن أي تفسير سياسي أو فكري مقنع.

وهنا يصبح المواطن أمام مفارقة واضحة: هل تغيرت المبادئ فعلاً، أم تغيرت فقط الجهة التي يمكن أن توفر فرصة انتخابية أفضل؟

السياسة، في جوهرها، التزام ومسؤولية قبل أن تكون مقعداً أو امتيازاً. والناخب لا يمنح صوته لشخص كي يتنقل بين الألوان والشعارات وفقاً للظرف الانتخابي، وإنما يمنحه بناءً على الثقة في مشروع وبرنامج وقناعة.

إن كثرة التنقل السياسي قد تكون مؤشراً على أن بعض الممارسين ينظرون إلى الأحزاب باعتبارها مجرد وسائل للترشح، وليس مدارس سياسية ومشاريع مجتمعية. وعندما تصبح العضوية الحزبية قابلة للتغيير مع كل استحقاق، فإن الخاسر الأكبر هو صورة العمل السياسي وثقة المواطن في المؤسسات والفاعلين.

المطلوب اليوم ليس محاكمة كل من غيّر انتماءه السياسي، وإنما طرح سؤال أكثر عمقاً: ما الذي يدفع السياسي إلى تغيير موقعه؟ هل هو اقتناع فكري جديد، أم خلاف تنظيمي حقيقي، أم مجرد حساب انتخابي؟

فالمبادئ الحقيقية لا تحتاج إلى مقعد كي تعيش، ولا تتغير بتغير التحالفات. أما حين تصبح القناعة السياسية مرتبطة بالترشح والامتيازات والمواقع، فإن الأمر لا يعود مجرد انتقال حزبي، بل يصبح أزمة ثقة بين السياسي والناخب.

وفي النهاية، يبقى المواطن هو الحكم. فهو قادر على التمييز بين من يغير موقفه لأنه اقتنع بفكرة جديدة، ومن يغير قميصه السياسي بحثاً عن مقعد جديد. وبين الاثنين، مسافة كبيرة اسمها المبدأ.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *